محمد بن محمد ابو شهبة

285

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ويرى بعض المؤرخين أن عرض الرسول عهد الصلح هذا لم يقصد به العرض حقيقة ، وإنما سبرا لغور الأنصار ، وتعرفا لمبلغ استعدادهم للذود عن المدينة ، والتضحية بالنفس في سبيل العقيدة ، وقد ظهر له صلى اللّه عليه وسلم أن الأخطار والمخاوف وتكالب عوامل الشر لم تزدهم إلا إيمانا وصلابة في الدفاع عن دينهم . الحرب خدعة إن اللّه سبحانه إذا أراد شيئا هيأ له الأسباب ويسّر له الوسائل ، وقد ساقت الأقدار نعيم بن مسعود الأشجعي - وهو من غطفان - إلى رسول اللّه ، وكان صديقا لقريش واليهود ، فقال : يا رسول اللّه إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون بإسلامي ، فمرني بأمرك حتى أساعدك . وتفتّق العقل الكبير عن هذا التوجيه الرائع والإيمان إلى العمل السياسي البارع ، فقال له : « أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل ؟ ولكن خذّل عنا ما استطعت ، فإن الحرب خدعة « 1 » » . وكان نعيم عند حسن ظن النبي وأهلا لتوجيهه ، فخرج من عند النبي وتوجّه إلى بني قريظة فقال : يا بني قريظة تعرفون ودّي لكم ، وخوفي عليكم ، وإني محدثكم حديثا فاكتموه عني ، قالوا : نعم لست عندنا بمتهم ، فقال : لقد رأيتم ما وقع ببني قينقاع والنضير ، وإن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم ، فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا لبلادهم ، وأما أنتم فتساكنون الرجل - يريد الرسول - ولا طاقة لكم بحربه واحدكم ، فأرى ألاتدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم ، بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفا منهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه . فاستحسنوا رأيه وقالوا : قد أشرت بالرأي .

--> ( 1 ) خدعة بفتح المعجمة وضمها مع سكون المهملة ، وبضم أوله وفتح ثانيه وهي أشهر لغاتها ، وأفصحها الأولى حتى قال ثعلب : إنها لغة النبي . ومعنى الأولى أن الحرب تنتهي بخدعة واحدة ، والثانية أن الشأن في الحرب الخداع ، والثالثة صيغة مبالغة أي كثيرة الخداع .